كمال الدين دميري
123
حياة الحيوان الكبرى
بن مزاحم ، قال : فمن العرب أم من الموالي ؟ قلت : من الموالي . فقال كما قال ، ثم قال : فمن يسود أهل البصرة ؟ قلت : الحسن بن أبي الحسن ، قال : من العرب أم من الموالي ؟ قلت : من الموالي . قال : ويلك ! فمن يسود أهل الكوفة ؟ قلت : إبراهيم النخعي ، قال : من العرب أم من الموالي ؟ قلت : من العرب ، قال : ويلك يا زهري ، فرّجت عني ، واللَّه لتسودن الموالي على العرب ، حتى يخطب لها على المنابر ، وإن العرب تحتها ! قال : قلت : يا أمير المؤمنين ، إنما هو أمر اللَّه ودينه ، فمن حفظه ساد ومن ضيعه سقط . ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة ، كتب إليه طاوس : إن أردت أن يكون عملك خيرا كله ، فاستعمل أهل الخير . قال عمر : كفى بها موعظة . وروى ابن أبي الدنيا بسنده عن طاوس ، أنه قال : بينا أنا بمكة استدعاني الحجاج ، فأتيته فأجلسني إلى جانبه وأتكأني على وسادة ، فبينما نحن نتحدث ، إذ سمع صوتا عاليا بالتلبية ، فقال : عليّ بالرجل ، فأحضر فقال له : ممن الرجل ؟ قال : من المسلمين . فقال : إنما سألتك عن البلد والقوم ! قال : من أهل اليمن ، فقال : كيف تركت محمد بن يوسف يعني أخاه ، وكان واليا على اليمن ، فقال : تركته جسيما وسيما لباسا حريرا ، ركابا خراجا ولاجا ! فقال : إنما سألتك عن سيرته ، فقال : تركته غشوما ظلوما ، مطيعا للمخلوق ، عاصيا للخالق ! قال : أتقول فيه هذا وقد علمت مكانه مني ؟ فقال الرجل : أتراه بمكانه منك أعز من مكاني من ربي ، وأنا مصدق نبيه صلى اللَّه عليه وسلم ، ووافد بيته ؟ ! فسكت الحجاج ، وذهب الرجل من غير إذن . قال طاوس : فتبعته فقلت : الصحبة ، فقال : لا حبا ولا كرامة ، ألست صاحب الوسادة ؟ ! الآن وقد رأيت الناس يستفتونك في دين اللَّه ، قلت : إنه أمير مسلط ، أرسل إليّ فأتيته كما فعلت أنت . قال : فما ذاك الاتكاء على الوسادة في رخاء بال ؟ ! هلا كان لك من واجب نصحه ، وقضاء حق رعيته بوعظه ، والحذر من بوائق عسفه ، وتخلى نفسك من ساعة الأنس به ما يكدر عليك تلك الطمأنينة ؟ ! قلت : أستغفر اللَّه وأتوب إليه ، ثم أسألك الصحبة ؟ ! فقال : غفر اللَّه لك إن لي مصحوبا شديد الغيرة عليّ ، فلو أنست بغيره رفضني . ثم تركني وذهب . وفي تاريخ « 1 » ابن خلكان ، عن عبد اللَّه الشامي ، قال : أتيت طاوسا فخرج إلي شيخ كبير ، فقلت : أنت طاوس ؟ فقال : أنا ابنه ، فقلت : إن كنت ابنه فإن الشيخ قد خرف ! قال : إن العالم لا يخرف ، فدخلت عليه ، فقال : أتحب أن أجمع لك التوراة والإنجيل والزبور والفرقان في مجلسي هذا ؟ قلت : نعم . فقال : خف اللَّه مخافة لا يكون عندك شيء أخوف منه ، وارجه رجاء هو أشد من خوفك إياه ، وأحب لأخيك ما تحب لنفسك . وقالت امرأة : ما بقي أحد إلا فتنته إلا طاوسا فإني تعرضت له ، فقال لي : إذا كان وقت كذا فتعالي ! قالت : فجئت ذلك الوقت ، فذهب بي إلى المسجد الحرام ، وقال : اضطجعي فقلت : ههنا ؟ ! فقال : الذي يرانا ههنا يرانا في غيره ! فتابت المرأة . وقال : لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج . وكان طاوس يقول : ما من شيء يتكلم به ابن آدم إلا أحصي عليه حتى أنينه في مرضه .
--> « 1 » ترجمة طاووس وأخباره في وفيات الأعيان 2 / 509 .